ArticlesHome

Articles : الدكتور أيمن النحراوي يكتب ل ” Blue Economy ” كوفيد 19 .. إمتداد للحرب البيولوجية

أول استخدام لذلك السلاح كان على يد القائد اليوناني سولون عام 600 ق.م حيث استخدم جذور نبات هيليوروس في تلويث مياه النهر الذي يستخدمه أعداؤه للشرب مما أدى إلى إصابتهم وبالتالي سهل عليه إلحاق الهزيمة بهم.

الحرب البيولوجية هي الحرب الصامتة الباردة دون سلاح مادي، ولا انفجارات ولا شظايا ولا دخان، حرب لا تخلف وراءها آثار تدمير مادي في المباني والمنشآت، بل إن المعني بها هو الإنسان والجماعات البشرية بإفنائها، لذلك فهي الموت في حد ذاته، إذ يمكن هزيمة وكسر إرادة دول أو التحكم فيها أو تهديدها أو ابتزازها سياسياً او اقتصادياً بالتهديد بها أو استخدامها جزئياً أوكلياً.

 ومما لاشك فيه أن الحروب بجميع أنواعها ووسائلها هي عمل بشع يتحقق فيه الموت والفناء، إلا أن الحرب البيولوجية هي بالقطع أبشعها على الإطلاق، فالخصم لا يرى خصمه ولا يشعر به، بل تتم مباغتته حيثما وحينما لايتوقع، وعندها لن يدركه سوى الموت المحتم دون أن يكون حتى قادراً على الدفاع عن نفسه.

الحرب البيولوجية أو الجرثومية أو الميكروبية هي الاستخدام المتعمد للجراثيم أو الميكروبات أو الفيروسات بهدف نشر الأمراض والأوبئة الفتاكة، بما ينجم عنه في المحصلة حصد أعداد كبيرة من البشر وإبادتهم وإفناء الكائنات وتدمير الحياة في نطاق معين، وهي بذلك تعد أحد أنواع أسلحة الدمار الشامل، باعتبار السلاح البيولوجي يقصد به جميع الوسائل والمسببات التي تستخدم لنشر الأمراض والأوبئة في صفوف القوات المعادية للقضاء عليها أو على الأقل التأثير سلبياً على كفاءتها القتالية وبالتالي سهولة إلحاق الهزيمة بها .

ويقوم السلاح البيولوجي على الإنتاج المتعمد لكائنات حية متناهية الدقة حية تسبب الأمراض والأوبئة الفتاكة سواء كانت فيروسات أو جراثيم أو باكتيريا أو مواد سامة ناتجة عن العمليات الحيوية لهذه الكائنات والتي تتسبب في إحداث أمراض للإنسان والحيوان والنبات، تؤدى إلى الهلاك أو الإفناء على نطاق واسع لأفراد أو مجتمعات أو مدينة أو منطقة أو حتى بلداً بأكمله باختلاف نوع السلاح البيرولوجي وتأثيره، ويمكن استخدام تلك الكائنات على حالتها في الطبيعة كما يمكن تطبيق تكنولوجيا الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية بهدف زيادة قدرة الإصابة ونطاقها التأثيري والتدميري.

وبرغم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الجسم البشري محصناً بجهاز مناعي قوامه الخلايا الدفاعية التي تهاجم الجراثيم والفيروسات الغازية وتدمرها، تعززها مقدرة الجسم على إنتاج أجسام مضادة تقضي عليها، إلاّ ان كثافة وقوة وتركيز تلك الجراثيم والفيروسات وتغيير هندستها الوراثية ومزجها في سلاح واحد، يجعل الجهاز المناعي البشري عاجزاً إزائها، بالإضافة إلى عامل انتشار المرض بالعدوى وهو مايفاقم التأثير ويصعده إلى مستويات خطيرة.

إن أخطر مايميز الأسلحة البيولوجية هو انخفاض تكلفة انتاجها مقارنة بالأسلحة التقليدية أو النووية التي تتطلب تكاليف وتجهيزات تكنولوجية عالية، فالأسلحة البيولوجية يتطلب انتاجها فقط حد أدنى من المعرفة العلمية ومعمل للمايكروبيولوجي، وبعض التجهيزات اللازمة للإنتاج، لكن الخطورة تتصاعد بمجرد البدء في تصنيعها حيث تتطلب درجة عالية من التأمين خلال وبعد التصنيع والتخزين، كذلك يمكن إنتاج كميات ضخمة من العنصر البيولوجي اعتباراً لأن خلية واحدة من ميكروب ما قادرة في وقت محدود وتحت الظروف المناسبة لها أن تتعدد وتتكاثر بدرجة رهيبة، مما يمكن من تكوين مخزون هائل من ميكروب ما خلال عدة ساعات.

والحرب البيولوجية قديمة قدم التاريخ، ويعتقد ان أول استخدام لذلك السلاح كان على يد القائد اليوناني سولون عام 600 ق.م حيث استخدم جذور نبات هيليوروس في تلويث مياه النهر الذي يستخدمه أعداؤه للشرب مما أدى إلى إصابتهم وبالتالي سهل عليه إلحاق الهزيمة بهم.

وهكذا لجأت الجيوش إلى تسميم ينابيع المياه والآبار والعيون والطعام في وجه الجيوش المعادية، وإلقاء الجثث المتعفنة للجنود القتلى والمصابين بالأوبئة في معسكرات أعدائهم حتى تنتشر الأوبئة والأمراض فيما بينهم، محاولين بذلك الإبادة الجماعية بالعوامل البيولوجية، كان اليونانيون والرومان والفرس والروم يلجأون لذلك ضد أعدائهم، وعندما كانت جيوشهم تقترب من منطقة أو مدينة تستهدفها، كانوا يلقون بالجثث الميتة والحيوانات النافقة في ينابيع وآبار وأنهار تلك المدينة لتلويث مياه الشرب.

في العصور الوسطى احتل الإمبراطور فريدريك بربروسا مدينة تورتونا الإيطالية بعد تسميم خزانات مياه الشرب فيها ، وخلال الحروب الصليبية  قامت الجيوش الصليبية بإلقاء جثث الجنود الموتى داخل معسكرات الجيوش المصرية والشامية في محاولة منهم لنشر الأمراض الفتاكة والأوبئة مثل الطاعون والجدري والكوليرا بين صفوف الجنود، ولاحقاً استخدم المغول ذات الاسلوب عند اجتياحهم العديد من البلاد، وفي أوروبا فتك الطاعون خلال الفترة الممتدة من عام 1348 الى عام 1350 بما يزيد عن ربع سكان أوروبا، فأسموه “الموت الأسود”.

ومنذ القرن الخامس عشر وبعد اكتشاف القارتين الأمريكيتين أتيح للمهاجرين الأوروبيون التخلص من أعداد كبيرة من السكان الأصليين الذين أصيبوا بالأمراض غير المعروفة هناك والتي لا توجد مناعة طبيعية لديهم ضدها، وكان لمرض الجدري الدور الرئيسي في القضاء على أعداد كبيرة من هؤلاء السكان الأغلبية، ويذكر أن قائد القوات الإنجليزية في المستعمرات الامريكية قد قام بإرسال ملابس وأغطية مجلوبة من مستشفى العزل الصحي للمصابين بالجدري كهدايا إلى رؤساء القبائل من السكان الأصليين فكانت النتيجة أن انتشر ذلك المرض بينهم وفتك بعشرات الآلاف منهم، وخلال الحرب الأهلية الأميركية قام جنود الجيشين الشماليين والجنوبيين بتلويث الأنهار والآبار بإلقاء جثث الخنازير والماشية النافقة فيها.

وفي خضم الصراع الدولي، اهتم القادة العسكريون بشكل متزايد بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية باعتبارهما سلاحين فتاكين غير تقليديين، وقامت العديد من الدول بتخصيص الموارد المالية والطاقات العلمية لدراسة الجراثيم وماهيتها وتوظيفها كسلاح، فأسست بريطانيا عام 1940 أول مراكزها البحثية للأسلحة البيولوجية في أحد مقرات وزارة التموين في منطقة بورتن حيث تمكنت عام 1941 من إنتاج أول قنابلها البيولوجية المعبأة بجرثومة الجمرة الخبيثة “أحد أنواع الأنثراكس الثلاثة”، مملئة بالجمرة الخبيثة وألقتها تجريبياً في جزيرة جرينارد الأسكتلندية النائية، وكان من نتيجة ذلك نفوق كامل قطعان الماشية والحيوانات على الجزيرة بفعل القنبلة، الأمر الذي دفعها لإغلاق تلك الجزيرة نهائياً وكلياً أمام البشر، ويعتقد العلماء أن الجراثيم المتولدة عن تلك التجربة لا زالت باقية إلى اليوم وستستمر في خطورتها.

وفي عام 1941 طلبت وزارة الدفاع الأمريكية من عدد من الجامعات والمعاهد، تشكيل لجنة لدراسة موضوع الأسلحة الجرثومية، فقررت اللجنة أن الأسلحة الجرثومية ممكنة الإنتاج وفعالة النتائج، وعليه فقد شهد عام 1942 تأسيس أول مكتب لبحوث الحرب البيولوجية في وزارة الدفاع الأمريكية.

وأشيع على نطاق واسع في وسائل الاعلام في منتصف الخمسينات أن القوات اليابانية قامت بإجراء تجارب على أسرى الحرب لديها بحقنهم بجراثيم التيفوس، أو إعطائهم مواد غذائية أو مياه ملوثة بميكروب الكوليرا، كذلك تواردت أنباء عن قيام القوات اليابانية بنشر ميكروب الكوليرا في آبار المياه في مناطق الصراع الصينية، وقد كان مقر المعامل اليابانية في (هربن) قرب منشوريا والتي استولى عليها الاتحاد السوفيتي فيما بعد ونقل تلك المعامل إلى روسيا.

وخلال الحرب الكورية وجهت الصين وكوريا الشمالية للولايات المتحدة اتهامات باستخدام الأسلحة جرثومية ضدها، وعام 1952 دعيت اللجنة العلمية الدولية للأمم المتحدة للتحقيق في الشكاوي المقدمة من الصين وكوريا، فخرجت بتقرير تضمن: “احتمال حدوث تعرض للأفراد في مناطق النزاع بمواد جرثومية، ورصد وجود لجراثيم الكوليرا والجمرة الخبيثة وبراغيث مصابة بجراثيم الطاعون وبعوض يحمل فيروسات الحمى الصفراء، وحيوانات منزلية تم استخدامها لنشر الأمراض الوبائية” .

وخلال حرب فييتنام استخدم الجيش الأمريكي الأسلحة الجرثومية ضد قوات الفييت كونج والقرى والبلدات الفييتنامية، كما تم استخدام ذات الأسلحة في محاولة من الأمريكيين لتدمير محصول القصب في كوبا في الستينات والسبعينات وهو مصدر الدخل الرئيسي للبلاد.

وقد وقع أكبر حادث استنشاق بشري لجراثيم الجمرة الخبيثة في عام 1979 في المركز البيولوجي العسكري في سفيردلوفيسك في روسيا، حيث أطلقت جراثيم الجمرة الخبيثة بطريق الخطأ مما أدى الى حدوث 79 حالة إصابة توفي منها 68 

وطوال القرن العشرين حاولت العديد من الدول احداث توجه عالمي مضاد للأسلحة البيولوجية، فوقعت الدول الكبرى عام 1925 “بروتوكول جنيف” التي تمنع اللجوء إلى الأسلحة البكتريولوجية في الحروب، وفي أواخر الستينات قدمت بريطانيا مسودة لمعاهدة شاملة لحظر استحداث وتطوير وانتاج وتخزين واستخدام الأسلحة البيولوجية، وأتيحت للتوقيع في 10 أبريل 1972 وأصبحت نافذة في 26 مارس 1975 عندما صدقت على المعاهدة 22 دولة، وهذه المعاهدة حالياً من المفترض أنها تلزم 165 دولة موقعة، لكن العديد منها قد وقع المعاهدة لكنه لم يصدق عليها مما حد من فاعليتها، وأسهم في ذلك غياب نظام دولي وآلية فاعلة للتحقق من الالتزام بالمعاهدة، وفي هذا الشأن تجدر الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني غير منضم لتلك الاتفاقية .

ومؤخراً وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فقط عانت الإنسانية من أكثر من 5 أوبئة خطيرة، حيث شهد العالم أزمات وبائية بيولوجية مريعة منها فيروس السارس عام 2002 ، إنفلونزا الطيور عام 2003، إنفلونزا الخنازير عام 2009، وباء أيبولا عام 2013، فيروس كورونا عام 2020، وبصرف النظر عن مصدرها أو أسبابها أو المستفيد منها، إلا أن الإنسانية هي المتضرر الأول عندما تتهاوى قيمة الحياة الإنسانية للآخرين من منظور طرف معين يأبى إلا أن يحقق مصالحه السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بأي ثمن وبأي وسيلة حتى لو كانت نتيجتها فناء الإنسان وهلاك المجتمعات فهل كوفيد 19 امتداد أخر لتلك الحروب البيولوجية ؟!.

* محاضر وخبير اقتصاديات النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات 

 

Show More
Back to top button