Home

فى مثل هذا اليوم : قناة السويس .. إعجاز و ملحمة تاريخية .. و بدايتها ” حلم ” !

فى مثل هذا اليوم ( الخامس من يونيو) من كل عام تحتفل هيئة قناة السويس بذكري إعادة القناة للملاحة وهو يوم فريد فى سجلات التاريخ , فمع إطلاق الرئيس محمد انور السادات  إشارة البدء بإعادة إفتتاح قناة  مرة إخري للملاحة البحرية عام 1975 كان العالم على موعد مع إستعادة أحد أهم شرايين حركة التجارة العالمية وتعويض الخسائر الإقتصادية التى تجاوزت 13,6 مليار دولار بعد 8 سنوات عجاف خلال فترة إغلاق القناة بعد نكسة 1967 وحتى إفتتاحها فى ذات الوقت عام 1975 فى ملحمة من العمل المتواصل لتطهير القناة والذى بدأ مع نصر إكتوبر العظيم .وهو عهد جديد بدأته القناة منذ ذلك الحين فى رحلة مستمرة من التطوير والتحديث للمجري الملاحى بجهود وطنية مخلصة للحفاظ على القناة رافدا للخير والنماء ليس لمصر بل للعالم اجمع !

ولقصة إنشاء قناة السويس قصة طريفة طرحها احد الفرنسيين  وهو روبيير سولييه فى كتابه عن مصر قصة طريفة حول فكرة إنشاء قناة السويس وقد بدأت بالحلم وتمت بسبب ” المكرونة ” !!

 فقد كان والد فرديناند .. هذا الرجل ” ماتيو ديليسبس ” صديق نابليون بونابرت هو الذى اقترح عليه بأن يأتوا بالقائد التركى محمد على بك رئيسا للحكومة الجديدة فى مصر ومن هنا كانت ” الحميمية ” التى ربطت اسرة محمد على بالفرنسيين  , وحبهم لفرنسا !

كان فرديناند ديليسبس منذ صغره عاشق للانهار وقد تحدى اصدقائه فى عبور نهر السين بباريس وقد تربى على تعاليم المفكر السياسى الفرنسى كلود هنرى كونت دى سيمون الذى اثر فى تكوينه وفكره حيث كان يدعو الى عالم بلاحروب وفتح طريق للتجارة الحرة وكان يرى ان هذا لن يتحقق الا من خلال طريقين بحريين طويلين لا ثالث لهما يختصران الطرق التجارية للعالم كان احداهما طريق يربط البحر الاحمر بالبحر الابيض المتوسط عبرالطرق المصرية بينما الطريق الثانى بالربط بين المحيطين الهادى والاطلنطى عبر امريكا وظل حلم الطريق الاول يداعب ديليسبس وقد تحقق بينما مات بعد فشله تحقيق حلم الطريق الثانى !

كان حلم ديليسبس بناء قناة تجلب السلام للعالم حلم كبر معه منذ ايام كونت دى موسيه وظل حلما مشتركا مع زوجته الثانية ” آجاثى ديلامال ” التى احبها بعد وفاة زوجته الاولى , وقد تقاسمت آجاثى الحلم مع ديليسبس  وظلت تدفعه وحين بدأت خطوات تحقيق الحلم كانت الحمى اللعينة قد اختطفت زوجة ديليسبس الثانية وترحل بعدها رفض عباس باشا خليفة محمد على وآلى مصر آنذاك المشروع مؤكدا له : انه ليس مجديا لمصر وان تركيا لايمكن ان تمنحه إمتيازا على اراض مصر !

الحلم لم يموت !

الحلم لم يموت داخل دبلوماسى محنك مثل ديليسبس وظل يراوده ويلاحقه عازما على تحقيق حلم مشترك مع زوجته آجاثى التى آمنت بحلمه وماتت قبل ان تراه يتحقق !

ولعب القدر دوره حين علم ان الطفل السمين الذى كان يعلمه ديليسبس كيف يمتطى جواده هو الذى جلس على عرش مصر ولم ينتظر لحظه حتى كتب ديليسبس خطابا لسعيد باشا الوالى الجديد وتلميذه الصغير حيث قال :” سوف اذكره بالمكرونة التى اعتدت ان اطعمه اياه ” !

وكان هذا الخطاب الذى كتبه ديليسبس الى تلميذه القديم سعيد باشا قد غير مجرى حياته وهو الخطاب الوحيد الذى ترتب عليه بناء قناة عظيمة عبر بحرين والذى يوصف بأنه اعظم إنجاز دبلوماسى وقد كانت كلمة السر فيه ” طبق المكرونة ” !

وجاء الرد الذى اسعد ديليسبس وجعله يطير فرحا بعد ان اغلقت الدنيا ابوابها فى وجهه وكانت فرحته زائدة بسبب مشاركة الحلم مع زوحته الراحلة أجاثى !

ديليسبس فى القاهرة

وصل ديليسبس الى القاهرة وجاء اللقاء حميما مع الوالى الجديد لمصر سعيد باشا الذى قرر ان يكون ديليسبس مستشاره الجديد وبعد يومين من الوصول كان اللقاء الذى جمعه مع والى مصر وكان بصحبته احد اشقائه الكبار واسمه ذوالفقار باشا وماان قال الوالى فى جلسته ” اننى اريد ان يسجل اسمى فى التاريخ باعتبارى واحد من الذين جلبوا الازدهار لمصر وليس الحرب ” حتى انطلق ديليسبس ليأخذ زمام المبادرة  فى طرخ حلمه القديم ويعرض مشروعه مؤكدا له : ان القناة المقترحة غير مكلفة وسوف تجلب له الحظ وتحقق مكاسب جيدة لمصر .

واقتنع الوالى  لثقته فى ديليسبس الذى قام بتربيته وطلب منه الوالى وضع صيغة الفرمان ليمنحه الامتياز المطلوب لبناء القناة المقترحة وان يجمع الاموال اللازمة للمشروع .

لكن هناك مشوار طويل فعليه ان يحصل على موافقة الباب العالى وبركات ممثل التاج البريطانى.. انها رحلة مليئة بالاشواك والصعوبات والاحباطات والرفض بعد ان اعتبروه مشروعا من ضروب الخيال !

على ظهر جمل

على ظهر جمل امتطاه ديليسبس ليقطع مسافة اكثر من 25 الف ميل للذهاب الى القسطنطينية حتى حصل على الموافقة , الا ان رشيد باشا الصدر الاعظم الذى اعتبر مشروعه ” وهما كبيرا ” علق موافقته على موافقة ممثل التاج البريطانى فى وزارة الخارجية ” رد كلييف ” الذى رفض المشروع برمته وعلى ” جثته ” !

لكن ديليسبس كان يردد دائما امام كل عقبة يقابلها ” مابدأه انهيه … لن استسلم ابدا ” !

وذهب ديليسبس الى ابنه عمه الامبراطورة اوجينى التى ايدت فكرته وتحمست لمشروعه مع زوجها الامبراطور لويس نابليون ليحصل على موافقة رسمية من ملكة انجلترا نفسها وهى الملكة فيكتوريا بعد ان امضى عاما كاملا فى اقناع بريطانيا !

الفرمان مكون من 12 بندا

وجاء فرمان عقد إمتياز قناة السويس الاول مكونا من 12 بندا كان اهمها حفر قناة تصل بين البحرين ومدة الامتياز 99 عاما من تاريخ فتح القناة

وفى 5 يناير 1856 صدرت وثيقتان اخريتان وهما عقد الامتياز الثانى وقانون الشركة الاساسي وكان من اهم بنوده قيام الشركة بكافة اعمال الحفر وانشاء ترعة للمياه العذبه تتفرع عند  وصولها الى بحيرة التمساح شمالا لبورسعيد وجنوبا للسويس وان حجم العمالة المصرية اربعة اخماس العمالة المطلوبة والمستخدمة لعمليات الحفر .

كان محمد سعيد باشا قد تسلم حكم مصر فى 14 يوليو 1854 وبعد اربع سنوات   بدأ تنفيذ الحلم الذى عاشه سعيد باشا ليخلد اسمه التاريخ ! ففى الفترة من 5 الى 30 نوفمبر 1858 طرح الاكتتاب فى اسهم شركة قناة السويس وبلغ عدد الاسهم المطروحة للاكتتاب 400 الف سهم بقيمة 500 فرنك للسهم الواحد وبعد الاكتتاب تم تأسيس الشركة وتشكيل مجلس الادارة وكان ديليسبس قد وعد الوالى بتدبير نفقات هذا المشروع وتمويله

فى 25 ابريل 1859 اقيم حفل بسيط فى مدينة” بيلوز ” التى اطلق عليها ديليسبس اسم بورسعيد وهو ماجعل صديقه العزيز يحصل على المجد الذى كان يحلم به ويستحقه عن جدارة .

وضرب ديليسبس بيده اول معول فى الارض إيذانا ببدء الحفر وكان معه 100 عامل حضروا من دمياط  ولم يتمكن العمال بعدها من استكمال الحفر بسبب معارضة بريطانيا والسلطان العثمانى( الباب العالى ) لذلك واستكمل الحفر فى 30 نوفمبر 1859 بعد تدخل ابنه عمه للمرة الثانية الامبراطورة اوجيني لدى السلطان الغثمانى حتى وصل عدد العمال المصريين الى 330 عامل والاجانب 80 عامل بل وتم الاستغناء عن فكرة الاستعانة بعمال اجانب بسبب ارتفاع اجورهم واختلاف المناخ والعادات عن العمال المصريين الذين قاموا باستخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال قام بها مليون مصري وبلغ عدد الذين ماتوا اثناء الحفر 125 الف عامل وقد تكلفت القناة بما يعادل 369 مليون فرنك وقد بلغ طولها 165 كم وعرضها 190 متر وعمقها 58 قدم .

لم يشأ القدر  ان يعيش سعيد باشا ليري مشروعه الذى بدأه وكان يريد ان يخلد به اسمه !

ففى يناير 1863 توفى سعيد باشا على اثر مرضه بالحمى !

ومثلما قال اللواء بحري محمد عبد القادر جاب الله رئيس قطاع النقل البحري الاسبق والخبير البحري ل ” Blue Economy ”  : ان قناة السويس ستبقى ملحمة إعجاز كمشروع تنموي عملاق يقود مصر الى المستقبل مهما كانت التحديات ومحاولات النيل من قيمة تلك القناة 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: