الرئيسيةشوية سياسة

رؤية سياسية : الدكتور أيمن النحراوى يكتب ل ” Blue Economy “: التصدي للتغــول التركي في الوطن العـــربي !

 أكدت الأحداث حقيقة أنه لايوجد فرق بين تركيا واسرائيل، فكلاهما يتنافسان فيمن يكون أكثر وقاحة وشراسة وعدواناً وبغياً وجشعاً وحقداً على العرب، وإن اختلفت أهداف ووسائل كل منهما لتحقيق ذلك، إسرائيل تحاول تصفية القضية الفلسطينية وضم الضفة الغربية وماتبقى من أراضيها، وتركيا تعيث فساداً في أنحاء الوطن العربي.

تركيا هي الشريك التجاري والاقتصادي والسياحي الأول لاسرائيل، حيث وصل حجم التبادل التجاري بينهما ذروته عام 2019 ليحقق ستة مليارات دولار بزيادة 18% عن العام السابق له، وبزيادة قدرها 300% عن عام 2005. كما تتدفق عبر ميناء حيفا في اسرائيل 25% من صادرات البضائع التركية مع دول الخليج العربي والتي تنقل من حيفا إلى الأردن ومنها إلى دول الخليج.

وفي مجال السياحة بلغ عدد السياح الإسرائيليين إلى تركيا 480 ألف سائح في العام 2019 بزيادة 19% عن العام السابق له، في المقابل تشير القوائم المالية للشركات التركية العقارية إلى تحقق إيرادات مالية ضخمة مقابل بناء العديد من المشروعات السكنية والمباني في إسرائيل. وأشار أحد المسؤولين الإسرائيليين في هذا الصدد، أن مسرحيات أردوغان ضدهم في الصحف ووسائل الإعلام لا تزعجهم، طالما العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاقتصادية في أوجها.

أما التعاون العسكري بين تركيا واسرائيل فهو أيضاً خير معبر عن حقيقة العلاقة بين تركيا واسرائيل، فقد تزايدت معدلاته منذ الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1978، والذي أدى إلى عقوبات أمريكية أوروبية على قطاعها العسكري، واعتمدت تركيا آنذاك على الجانب الإسرائيلي في تحديث الجيش التركي. وتعد تركيا هي ثاني دول العالم ارتباطاً بإسرائيل عسكرياً باتفاقات ومخططات وبرتوكولات تعاون وتنسيق، فتعاقبت الاتفاقيات العسكرية التركية الاسرائيلية بدءاً من تحديث طائرات فانتوم التركية  (F4)بتكلفة 900 مليون دولار، مرورا بترقية إسرائيل لـ170 من دبابات M60A1  لتركيا مقابل 500 مليون دولار، وصولاً للاتفاق الذي يقضي بتبادل الطيارين العسكريين بين البلدين 8 مرات في السنة، وتبادل التدريب في الأجواء، ثم اتفاق التعاون الاستراتيجي العسكري بينهما.

من جهته لايجرؤ النظام التركي على التفوه بكلمة تعليق أو انتقاد لممارسات اسرائيل في حق الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وتدمير فرصهم في إقامة دولتهم، وإذا تم ذلك يوماً علناً فسرعان مايعقبه سراً اعتذار بأن المشهد يقتضي ذلك، والرئيس أردوغان الذي لطالما صاح في مسرحياته عن دعم الفلسطينيين، هو في حقيقة الأمر لا يتوانى عن تعميق هوة الانقسام في صفوفهم عبر الدعم المستمر لحركة حماس كتنظيم إخواني حليف له، مع تجاهله التعامل مع السلطة الفلسطينية في رام الله وقيادة الرئيس محمود عباس أبومازن وسعيه المستمر لتقزيم دورها وتقييد التعامل معها.

النظام التركي أسهم طوال السنوات العشر الماضية في تعميق جراح سورية ونزيفها، كانت تركيا خلالها ملاذاً للارهابيين وقاعدة لانطلاقهم، وكانت مطارات غازي عنتاب وميرسين وانطاكية واسطنبول وأنقرة قواعد لاستقبال الارهابيين من جميع أنحاء العالم ونقلهم إلى سورية، وامدادهم بالسلاح والذخائر وتنظيمهم في جماعات ارهابية بلغ عددها أكثر من ألف تنظيم، ضمت أكثر من مائتي ألف ارهابي ومتطرف ومجرم ومرتزق عاثوا فساداً في سورية وأتوا فيها على الأخضر واليابس، كما تجلى التغول التركي باعتباره الراعي اللوجيستي الرئيسي لتنظيم داعش الارهابي المجرم الذي اجتاح العراق وسورية وأتى من المجازر والفظائع مالم يسمع بمثله في أي عصر من العصور منذ اجتياح المغول لبغداد.

وبالأمس القريب كان الجيش التركي يشن عملية جوية وبرية كبرى في شمال العراق ويحتل الأراضي ويقصف المدن والقرى، وخلال الأعوام الخمسة الماضية أقامت تركيا 12 قاعدة عسكرية تركية في شمال العراق، أكبرها وأهمها قاعدة بعقوبة التي يتمركز بها آلاف الجنود الأتراك، منتهكين سيادة العراق دون رادع يردعهم أو قوة تقف في وجههم.

ثم مايذكر من سعيهم لإقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن في السودان إبان حكم عمر البشير، لتهديد الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي لمصر، فلما وقفت لهم مصر بالمرصاد، سعوا لعمل قاعدة في جيبوتي، ثم اريتريا، ثم الصومال وهي تحركات عسكرية مريبة في البحر الأحمر ومدخل خليج عدن مدعين أن قواتهم تستهدف حماية الملاحة وتأمين السفن التركية، ولا يغب عن الذاكرة إرسالهم قوات تركية إلى إحدى دول الخليح العربي، ليقيموا في عاصمتها ويقوموا بعرض عسكري لقواتهم في شوارعها، بوجود مستفز لكافة الدول الخليجية بما يحمله من تهديد لأمنها وثرواتها وشعوبها.

ثم ماكان من التدخل السياسي والعسكري التركي في ليبيا وارسال النظام التركي لقواته جهاراً نهاراً لاحتلال العاصمة طرابلس والتمركز فيها بالتعاون مع ميليشيات ليبية عميلة وآلاف المرتزقة الذين نقلتهم تركيا من سورية ، وتحت رعاية حكومة الوفاق برئاسة السراج، التي هرعت بأمر من مشغليها الأتراك للتوقيع معهم على اتفاقات للبحث والتنقيب عن النفط في الأراضي والسواحل البحرية الليبية، برغم أن تلك الحكومة غير شرعية ولا تمثل الشعب الليبي، ولا يحق لها التوقيع على مثل تلك الاتفاقات نظراً لأن مثل هذه التعاقدات من اختصاصات المجلس الرئاسي مجتمعاً وفق قراره رقم 270 لسنة 2017 بشأن توزيع مهام وزارة النفط بعد إلغائها.

حيث تشير العمليات العسكرية في ليبيا إلى سعي الميليشيات الليبية العميلة مدعومة بالجيش التركي للتوجه والاستيلاء إلى شرق ليبيا وتحديداً سرت باعتبارها بوابة منطقة الهلال النفطي الليبي، لأهميتها الإستراتيجية بسبب وجود آبار النفط والغاز. وعبر وزير الطاقة التركي فاتح دونماز عن تلك الأطماع التركية في النفط الليبي بإعلانه أن تركيا قد حصلت من حكومة السراج على تراخيص للتنقيب عن النفط وإنتاجه في ليبيا، حيث تم تحديد سبعة مناطق ليبية لتطلق عمليات التنقيب بها.

وتشير احصاءات وكالة الطاقة الأمريكية أن احتياطي النفط الليبي ارتفع من 48 مليار برميل إلى 74 مليار برميل وبذلك تحتل ليبيا المركز الخامس عالمياً في احتياطيات النفط الصخري بعد روسيا وأمريكا والصين و الأرجنتين. وأوضحت الوكالة أن الكمية الجديدة تضاف إلى المخزون لترفع العمر الإفتراضي لإنتاج النفط الليبي من 70 عاماً إلى 112 عام، بعد الإعلان عن أن الاحتياطي الليبي من النفط المخزون بالصخور والقابل للاستخراج بالتقنيات الحالية يبلغ 26 مليار برميل، وكشفت الوكالة عن ارتفاع احتياطات الغاز الليبي إلى ثلاثة أضعاف حيث بلغ 177 تريليون قدم مكعب بعد أن كان 55 تريليون قدم مكعب وذلك بإضافة 122 تريليون قدم مكعب من الاحتياطي القابل للاستخراج من الصخور، وهذه جميعها ثروة الشعب الليبي التي يستهدف النظام التركي الاستيلاء عليها.

ومن جهة أخرى في شرق المتوسط قام النظام التركي بسياسة فرض الأمر الواقع بالتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص، متعللاً بأن تلك المنطقة تقع ضمن ما يسميه بالـجرف القاري لتركيا، بينما أعلنت قبرص أنها تقع ضمن حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة. ثم كان أن قامت البوارج البحرية التركية بالتحرش بسفن الشركات العالمية المنقبة عن النفط في شرق المتوسط، وقامت الحكومة التركية بمحاولة خلط الأوراق بتوقيع مذكرتي تفاهم لتحديد مناطق السيادة البحرية والتعاون الأمني والعسكري مع حكومة السراج ، سعيا للمشاركة في ثروات منطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، والتي تضم ثاني أكبر احتياطي من الغاز على مستوى العالم، ويقدر بنحو 300 تريليون قدم مكعب.

واستغلت تركيا الاتفاق البحري مع حكومة السراج للرد على منتدى شرق المتوسط للغاز الذي استبعدت منه، وأبرمت هذا الاتفاق غير المشروع وغير القانوني مع حكومة السراج مما يهدد مشاريع توصيل الغاز المخطط لتدشينها في المنطقة، ويؤدي في مجمله إلى أضرار شديدة بمصالح مصر الاستراتيجية.

وهكذا لم يكتف النظام التركي باستضافته لتنظيم الإخوان المجرمين واستغلالهم لخيانته لضرب الدول والحكومات العربية، ولم يكتف الأتراك أنهم أقاموا السدود على نهري دجلة والفرات ليمنعوا المياه عن العراق وسورية ويهلكونهما عطشا وخراباً، ولم يكتف الاتراك أنهم سرقوا محتويات الكعبة الشريفة والآثار النبوية وسيوف الرسول والصحابة ونقلوها إلى اسطنبول، ولم يكتف الأتراك أنهم تاريخياً أضاعوا من عمر الوطن العربي أربعمائة عام في الجهل والظلام والتخلف والنهب وهيمنوا عليها بدعوى أن خليفتهم هو خليفة المسلمين.

لم يكتف الأتراك بجريمتهم التاريخية في الوطن العربي واحتلاله وإظلامه، بل أنهم يستهدفون اليوم حاضر هذا الوطن ومستقبله، يدمرون دوله ويعيثون فيه فساداً ويطمعون في موارده وثرواته. فهل يجتمع العرب على كلمة تردع النظام التركي وتوقفه عند حده؟ أم ماذا؟

د/ أيمن النحــراوي

مستشار ومحاضر النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى