Articles

تطوير كفاءة وفاعلية النقل البحري

" في ظل المؤثرات المحلية والإقليمية والدولية"

ربان عماد اسلام 

مستشار وزير النقل البحري – الأسبق

جمهورية مصر العربية

بالرغم من ثراء الخبرة البشرية في صناعة النقل البحري، بدءاً من سفينة نوح عليه السلام (3000 سنة ق م)، وبالرغم من إرتباط تقدم الحضارات على مر العصور  بإزدهار صناعة النقل البحري، الذي إستدعى حتمية الإهتمام والحفاظ على وتطوير هذا القطاع الهام وصناعته، إلا أن هذا القطاع قد أهملته غالبية الدول النامية، وكان آخر إهتمام فعلي به وبصناعته بمصر منذ فترة تمتد إلى مايزيد عن قرنين من الزمان.

ومن المعروف أن المجال البحري الحديث ينحصر في العناصر التالية: أ. الإدارة الحكومية Administration “المسؤلة عن سن اللوائح والتشريعات للعمل في المجال البحري”  ب. السلطة البحرية Maritime Authority “المسؤلة عن الرقابة المحلية لتنفيذ عناصر النقل البحري لتلك اللوائح والتشريعات المحلية بالموانئ والمياه الإقليمية” جـ. الشركات (صناعية/ملاحية/خدمات)-“وتمثل المكونات الأساسية للنقل البحري من سفن وترسانات بحرية وخدماتها”  د. المعاهد البحرية “التي تقوم بإعداد العمالة اللازمة للعمل بكافة عناصر المجال البحري”.

وقد قامت المنظمة البحرية الدولية بتحديد المعايير البحرية القياسية الدولية بنصوص المعاهدات الصادرة عنها والتي تحدد مسئوليات كل عنصر من عناصر النقل البحري بدول العالم، وتوصيف حدود إختصاصات كلٍ من تلك العناصر بوضوح حتى لايتم تنازع الإختصاصات لغياب الرؤية كما يحدث في “بعض الدول النامية.

ويرتبط تقييم “فاعلية To do right things” المجال البحري لأي دولة بتقييم “كفاءة To do things right” عناصره مجتمعه. وأول ما يصيب كفاءة عناصر النقل البحري هو عدم الإلتزام بحدود المسئوليات التي حددتها المنظمة البحرية الدولية. ومن ثم الإختصاصات التي يمكنها التفويض في بعضها، أما المسئوليات فلا تفوض.

ومن ثم فإن “الكفاءة” ترتبط بأداء الأعمال بطريقة صحيحة (وتتصل بالأداء لكل عنصر من عناصر النقل البحري منفرداَ) ، أما “الفاعلية” فترتبط بأداء الأعمال الصحيحة (وتتصل بالإنجاز الجماعي لعناصر النقل البحري مجتمعة)، ومن ثم يجب أن تتميز كافة عناصر النقل البحري في أدائها بالكفاءة لتنفيذ الإنجاز المطلوب من خطة واضحة الأهداف، فتكون الدولة فاعلة في المجال البحري بمستويات التقييم الدولي.

المعايير القياسية للعمل بالمجال البحري

وبالرغم من أن الصبغة الدولية للنقل البحري، فإن دوليته لم يكتسبها إلا مؤخراً بعد إنشاء المنظمة البحرية الدولية التي تم إنشائها عام 1958 أي منذ ستون عاماً، وتحديداً عام 1974 عندما صدرت أول إتفاقية دولية في مجال السلامة البحرية SOLAS ، أي منذ أربعة وأربعون عاماً هي عمر المعايير القياسية الدولية للسلامة بالبحار، وهي فترة متناهية الصغر بالنسبة لعمر صناعة النقل البحري التي تمتد إلى 5000 عاماً.

إن تزامن بداية الثورة التكنولوجية المتسارعة مع نشأة التعليم والتدريب البحري ذو المعايير القياسية الدولية بصدور إتفاقية معايير التعليم والتدريب وإصدار الشهادات STCW78 ، قد إنعكس تأثيره بصورة كبيرة على النقل البحري بعناصره المختلفة الذي أصبح يلهث لملاحقة تلك الثورة التكنولوجية و “مواكبةً العصر”، وكان من جراء ذلك إتساع الهوة مابين صانعي التكنولوجيا “المبدعين”، ومستخدميها “المتلقين”، من ناحية المعرفة العملية Know-how وهي سلبية لن يشعر بها إلا المتطلعين للإبتكار والإبداع.

والمتابع لنبض المعاهد البحرية سيجد أن هناك متابعة محمومة لإمتلاك أحدث إبداعات التكنولوجيا الحديثة المتطورة من منطلق التميز عن المنافسين في مجال التعليم والتدريب البحري، فالمنافسة هنا ليست محلية فقط وإنما هي دولية بكافة المعايير. وبنظرة موضوعية سنجد أن هذا التوجه يكون محموداً فقط مالم يؤثر على إرتفاع تكلفة العملية التعليمية بالنسبة للدارسين الذين يشكلون العمالة البحرية، فالغرض من التعليم والتدريب هو “الوصول بالمتدرب إلى كفاءة محددة تمكنه من أداء المهام التي سيكلف بأدائها بما يحقق سلامة السفينة ومعداتها ومن على متنها من أفراد”. أما الوسيله التي يتبعها المعهد البحري في توصيله لهذا الهدف فقد تكون سيراً على الأقدام أو بإستخدام دراجة أو سيارة أو طائرة …، وتختلف التكلفة بإختلاف وسيلة المواصلات “توصيل المعلومات”.

ومما لاشك فيه أن مساعدات التعليم الحديثة والمتطورة تعمل على توصيل المادة العلمية والتدريبية بصورة أسرع للدارسين عن الوسائل التقليدية، إلا أنه يجب أن نضع نصب أعيننا دائماً – سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي – عدم الإنصياع إلى الرغبة في التحديث دون ضوابط، ومن الضوابط العامة أن يكون هناك توازن مابين تكلفة الخدمة التكنولوجية المقدمة وإمكانيات المستخدم فضلاً عن ضوابط  العملية التعليمية والتي لها أهميتها التي تسبق تكنولوجيا مساعدات التعليم والتدريب كالمنهج الجيد والمحاضر المتميز ومن ثم تأتي في الترتيب أهمية مساعدات التعليم والتدريب الحديثة، مالم يتم إدراجها ضمن متطلبات التعليم والتدريب القياسية الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية، فتكون إلزامية.

وكما أثرت تلك الثورة التكنولوجية في مجال التعليم والتدريب فقد أثرت بصورة أعمق وأوسع في مجال صناعة النقل البحري، وتحت عنوان السلامة البحرية ومنع التلوث البحري تم تحميل السفن بمعايير قياسية من أجهزة حديثة بتكلفة يتحملها ملاك السفن إجبارياً وإلا تم إبعاد سفنهم من العمل بالبحار أو منعهم من دخول الموانئ بالعالم. هذا فضلاً عن الأعباء التي تم إدراجها على عاتق الموانئ بالعالم إعتباراً من إتفاقية التيسيرات/التسهيلات Facilitation Convention 65, 2011, 2017، وإتفاقية الأمن البحري ISPS Code 2002 التي أثرت على كافة عناصر النقل البحري بدول العالم.

متطلبات الموقف الحالي

إن تقييم فاعلية النقل البحري بأيٍ من دول المنطقة وفقاً للتقييم الدولي الجماعي لعناصر النقل البحري مجتمعة بكل دولة سنجده “غير مرضي” بكافة المعايير لأي متخصص غيور على إنتماؤه لهذه المنطقة.

ويمكننا أن نسرد صفحات في تلك السلبيات على أرض الواقع، ولكننا نود أن نضع أيادينا على المفاتيح  الصحيحة لبداية الطريق للإصلاح والتنمية الحقيقية لجميع عناصر النقل البحري بالمنطقة، ونسلك في هذا الطريق ما وصل إليه من سبقونا، ويمكن أن يتم هذا التصور إما على مستوى كل دولة إنفرادياً أو لدول المنطقة مجتمعة.

نظراً إلى أن مجال النقل البحري أصبح مجالاً دولياً يلتزم حكماً بكافة المتطلبات الواردة بالإتفاقيات الدولية الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية، فأصبح من الضرورة بمكان أن تكون كافة عناصر النقل البحري: أولاً. على إطلاع بكافة مايصدر عن المنظمة البحرية الدولية، ثانياً. أن يتم متابعة أي متطلبات دولية قبل صدورها بكافة المجالس التابعة للمنظمة قبل إقرار تلك المتطلبات، فضلاً عن ضرورة أن تكون تلك المشاركة فاعلة لمصلحة النقل البحري المحلي/بالمنطقة.

ومن المفترض أن تقوم حكومات الدول بتنفيذ هذا الدور بالمنظمة البحرية الدولية لصالح النقل البحري المحلي، إلا أن حتى الدول الأوروبية القادرة على تنفيذ ذلك (بتوافر الخبرة الفنية/الموارد المالية/إستقرار إداري)، قد إرتأت أن هناك تكرار لنفس العمل الذي تقوم به كل دولة، ويمكن توفير هذا العبئ من خلال كيان يقوم عن الدول الأوروبية بتنفيذ هذا الدور، كنقطة إتصال فاعلة مابين المنظمة البحرية الدولية والدول الأعضاء، ومن هنا تم إنشاء “الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية European Maritime Safety Agency (EMSA)” ، والتي نجحت نجاحاً كبيراً مما أهلها لإمتداد نشاطها لكافة عناصر النقل البحري ليس الأوروبي فقط وإنما لكافة دول العالم، حيث إمتد نشاطها كجهة إعتراف بالشهادات التأهيلية الصادرة عن المعاهد البحرية بدول العالم، فضلاً عن قيامها بإعداد وتنفيذ مشاريع التنمية في المجال البحري عن الدول الأوروبية بالعالم …

والآن، إذا فكرنا بإنشاء كيان مماثل بالدولة/المنطقة، سيتم مواجهة العديد من العراقيل التي تؤد الفكرة في مهدها، فلا توجد ميزانيات بالحكومات بالمنطقة حيث تواجه مصاعب مالية وإدارية طاحنة، هذا فضلاً عن الكوادر الفنية المتخصصة وتكلفتها العالية. إلا أنه إذا ما توافرت الإرادة الفعلية للتطوير والتنمية فإن تلك العقبات يمكن تخطيها وذلك من خلال إنشاء كيان مماثل غير حكومي ولكن تحت مظلة حكومية بمسمى “الوكالة/الإتحاد المصري/العربي للسلامة البحرية Egyptian/Arab Maritime Safety Agency/Association (E/A MSA)” على أن يشكل مجلس أمناؤه من مدير/مديري الإدارات البحرية بالدولة/بالدول الأعضاء وجمعيته العمومية من الموانئ والشركات والمعاهد البحرية، ويمثل في مجلس إدارته عناصر النقل البحري المختلفة. ويقوم بتمويل الكيان الشركات والمعاهد البحرية والموانئ، بإسهام متساوي سنوياً، ومن الأهمية بمكان مشاركة كافة عناصر النقل البحري في هذا الكيان دفاعاً عن مصالحها ومتضامنةً مع سلطة الدولة لتفعيل العمل في مجال النقل البحري.

إن أفضل صورة لإنشاء هذا الكيان للحصول على أفضل نتائج ممكنة هو أن يكون جماعياً بمشاركة عربية، إلا أننا بحكم الخبرة سنجد أن العرب لايسعون للإنضمام إلا للكيانات الناجحة بالفعل، وتكون هناك حالة من الترقب والتشكك والممانعة عند دعوتهم للإنضمام لأي كيان عربي جديد. لذلك فمن الأجدى أن يتم التحرك لإنشاء هذا الكيان محلياً ويتم دعوة كافة الدول العربية للإنضمام إليه لفترة مدتها عامين من تاريخ الإنشاء، يكون العمل بهذا الكيان قد إستقر وبدأت نتائجه في التحقق، ويمكن حينها أن نرى سعي من الدول العربية للإنضمام إليه.

وبإنشاء هذا الكيان كمنظمة غير حكومية None Governmental Organization (NGO)” يتم التقدم للمنظمة البحرية الدولية للحصول على عضوية المنظمة لممارسة الدور الفعال المطلوب منها. والذي يمكنها أيضاً من تطوير العمل بكافة عناصر النقل البحري، فعلى سبيل المثال هناك حاجة ملحة لتنظيم التعاون بين صناعة النقل البحري والشركات الملاحية ومعاهد التدريب البحري، فضلاً عن أهمية تنظيم التعاون  بين معاهد التدريب البحري بالمنطقة من خلال إنشاء إتحاد للمعاهد البحرية تحت مظلة هذا الكيان، (ليمثل أحد روافد الكيان المقترح المماثل “للوكالة الأوروبية للسلامة البحرية EMSA).

إن التطور السريع المتلاحق في مجال النقل البحري على المستوى الدولي يستدعي تكاتف كافة الجهود المخلصة من عناصر النقل البحري مجتمعة حتى يمكن اللحاق بهذا الركب الدولي والموائمة معه كمرحلة أولى، ومن ثم يمكن الإنتقال للمرحلة الأهم والأصعب وهي التأثير فيه حفاظاً على مصالح النقل البحري المحلي المستباحة دولياً دون الدفاع عنها لغياب الصوت المدافع عن مصالحها بالمحافل الدولية .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى